رئيس.. قبل الرئاسة
الاثنين, 19-يوليو-2010
الميثاق انفو -
يستلقي الرئيس علي عبد الله صالح تحت ظلال التاريخ، مستريحاً باهتدائه الدائم إلى سبل الخلاص من ضلال التخبط والانقطاع عن الجذور والبدايات، فمن رحم المعاناة صدح صوته وسطع نجمه، ولذلك اهتم العاملون المخلصون في دوائر الإعلام والمعلومات والتوجيه المعنوي برصد مسار حياة وقيادة الرئيس الصالح قبل "عهده الصالح" و"الجمهورية الخامسة"، ولم تغفل عن المرور بنشأته وبداياته الأولى قبل اختياره لكفنه.

نشأة يتيم

وسط قرية حصن عفاش بيت الأحمر مديرية سنحان جنوب شرق صنعاء، 21 مارس – آذار 1942م وُلِد ثالث الذكور من أبناء عبد الله صالح الأحمر الذي غادر الدنيا بعد ثمانية شهور من ميلاد "علي"، ليخطو الطفل خطواته الأولى يتيماً يرعاه أشقاؤه الكبار ولاسيما "محمد" و"صالح".
وهكذا تفتح وعيه على مشاهد العناء والشظف، وتوطين نفسه على تحمل مسؤولية دار يغيب عنها طويلاً إخوته الكبار، وفيه تكونت شخصيته الحيوية والمتقدة، القادرة على إعالة النفس والأسرة معاً، فتلمس طريقه إلى الزراعة ورعي الأغنام في مضارب القرية والقرى المجاورة، وبتنقله إليها يستكشف آفاقاً جديدة عن محيط قريته الصغيرة.

التعليم وسط مآسٍ

لم يزل هذا الصبي طموحاً لنيل حظه من التعليم ومحاكاة أترابه، فالتحق وإياهم في "كُتّاب" قريته، حيث لبث قليلاً بسبب العجز عن سداد تكاليف تعلم القرآن! وهو ما نقش وشماً في جدار الذاكرة تقلصت مساحته بمحاولة أسرته إلحاقه بواحدة من المدارس الحكومية الموجودة بصنعاء ومنها ما عد حكراً للصفوة من الناس وأبناء الأسر الحاكمة والشريكة في الحكم.
ولما فشلت المحاولة الأولى مع إحدى المدارس طرقوا أبواب مدرسة الأيتام واضطروا إلى الرشوة بعد بيع ما تيسر امتلاكه من مقومات حياتهم الضرورية؛ كل ذلك لاستصدار حكم شرعي يثبت يتم علي واستحقاقه للالتحاق بمدرسة الأيتام وليحولوا دون وضعه رهينة في حظائر الإمام!
غير أن مقامه لم يطل في هذه المدرسة، لمآسٍ ومحن فاقت مقدرته على احتمالها.

الجندية من لعبة إلى حلم

ارتسمت في ذهن علي عبد الله صالح فترة "الأيتام" كجزء من مأساة يعيشها الشعب تحت مظلة الحكم الإمامي. لكن تلك المعاناة في المدرسة والحرمان من الكتاب كوّنته دون أن تضعف عزيمته أو توحش طباعه، بل شاكس وشاغب وداعب أصدقاءه وفطن سبل النجاح حتى فاق أقرانه وعرف بذكاء وشجاعة فطريين، وطموح يتجاوز تحدي الفقر، وسمات قيادية استقطبت أقرانه تحت لوائه في "لعبة الجندية".
وفي وقت يُعتبر فيه الالتحاق بسلك الجندية مصدر تأمين قدر معقول من الاستقرار والأمن الاجتماعي، التحق شقيقاه "محمد "و"صالح" بذاك السلك، فنهل منهما "علي" أبجديات الحياة العسكرية وأدرك ما يمكن للعسكري تأديته من دور غير امتهان المواطنين واغتنام أرزاقهم، فتأثر بما شهده يوم مرافقته لأخيه "صالح" بإحدى المهام الميدانية إلى "قعطبة" و"عتمة" حتى قرر نهائياً الالتحاق بالجندية.

الالتحاق بالجيش

أتى العام 1958م ميلاداً جديداً للشاب علي عبد الله صالح، إذ التحق بالجيش بعد رفض متكرر لطلبه بحجة صغر سنه، بيد أن مزاياه الفائقة لسنه الصغيرة شجعت كفيلَه على الضغط والإقناع لمسؤول التجنيد بالجيش الملكي.
وفي جيش أراده الأئمة عوناً لمهام توريث الحكم وشكلوا فيه وحدات تدين بالولاء لشخوص النظام الإمامي، التحق علي عبد الله صالح واستكمل فترة التدريب والإعداد الأولي، ثم وُزِّع على قوام اللواء الأول للجيش الوطني الكتيبة الثانية الفصيلة الأولى من السرية السادسة، وبدأ هناك عملية بناء ذاتي ثقافياً ومهنياً، فيقول الرئيس إنه بلغ مستوى معرفياً بفعل المطالعة والمجالسة والاستماع وتطوير نفسه وتعليمها.
ولما مضت سنتان على التحاقه بالجيش اختير للتأهيل بمدرسة صف الضباط عام 1960م ليتخرج فيها برتبة عريف.

تموين المارد

يُشار إلى دخول العريف "صالح" في ذلك الوقت ضمن صف الضباط المتعاطين والمتعاطفين مع تنظيم الضباط الأحرار، ويساهم في أولى مناورات الجيش بالأسلحة السوفييتية مع مجموعة لا يعرفها، إنما شاركها في تهريب قذائف المدفعية والدبابات والذخائر والتسلل عبر طرق ملتوية ومداخن وسقوف ثكنات لتسليمها إلى أمين مخازن الكلية الحربية، أبي عبد الله الجائفي.
ومن تلك القذائف المتسللة من مخازنها، كانت أول قذيفة أطلقها "المارد" على قصر الإمام في السادس والعشرين من سبتمبر – أيلول 1962م.

جراح معارك الثورة

وجد الضابط الشاب نفسه في أتون حرب جمهورية – ملكية بأبعاد عربية، متنقلاً بين جبهات ومواقع وخنادق مختلفة، من الشرق إلى الغرب اليمني وفي كلا المنطقتين عاد مرتين محملاً بجراح وإصابات بالغة.
وفي العام 1964م تم تأهيله في مدرسة المدرعات، ثم التحق بسلاح الدروع وأبدى ضروباً من المهارة هيأته للانتقال من درجة جندية إلى درجة قيادية، قائد دبابة، ففصيلة، ثم سرية إلى أركان حرب كتيبة مدرعة، ومدير تسليح مدرسة المدرعات، فمديراً لتسليح المدرعات.

ترميم قياسي لفك الحصار

وما بدأ حصار صنعاء آخر عام 1967م إلا وكان مدير تسليح المدرعات الملازم علي عبد الله صالح قد أنجز وجنوده ترميم ثلاثين دبابة في وقت قياسي للإسهام في فك الحصار حسب تعليمات عليا، وبإنهائه لذلك شرع الإشراف على تسليح رجال المقاومة وكذا التواصل مع أهليه وأبناء منطقة سنحان لتشكيل فرق متطوعين تشارك في الدفاع عن الجمهورية، واستبسل بذاته لإثبات جمهوريته وثوريته وعدم الدفع بأي من مرؤوسيه في مهالك أو معارك غير مأمونة العواقب، إلى أن حل عام 1968م وفك الحصار عن العاصمة، ووجد استراحة المحارب إنما في معركة البناء السلمي.

وثيقة وحدوية

بعدما رفرفت ألوية السلام في شمال ربوع الوطن، لم تهدأ المناوشات بين شماله وجنوبه، فكانت المواجهات الحادة عسكرياً ويلقى الرائد علي عبد الله صالح نفسه في خضم حرب جديدة إنما داخل مناطق حدود محافظة تعز المحاذية للجنوب اليمني، حيث أصيب بجراح المعارك ثالثة.
ولما انتهت المواجهة العسكرية باتفاقية سياسية نصت على إعادة الوحدة اليمنية بين شطريه، تصاعد الهاجس الوحدوي لدى الرائد صالح الذي وضع اسمه ثالث اثنين هما: علي بن علي صبرة وعبد الحفيظ بهران، على وثيقتين استهدفتا تنفيذ واحد من نصوص اتفاقية طرابلس المبرمة بين الرئيسين عبد الرحمن الإرياني وسالم ربيع علي، وهي المعنية بإيجاد تنظيم سياسي موحد لدولة الوحدة، فكانت الوثيقتان:
- التنظيم السياسي اليمني الموحد، موضحاً طابع التنظيم وحدوياً، ديمقراطياً جماهيرياً، وأهدافه ومجالاته وخططه.
- النظام الأساسي للتنظيم بأبوابه المتضمنة للأهداف والتكوين والعضوية.
ولما حلت باليمن عواصف وأنواء الانقلابات وحالات المد والجزر في خطوات إعادة الوحدة من منتصف سبعينياته لم يتسن لهكذا مشروع أن ينال نصيباً من التحقق.

صالح تعزياً

وفي خضم حركة 13 يونيو – حزيران 1974م برزت صراعات بينية منحت الرائد صالح المقيم في تعز منذ عام 1972م قائداً لمنطقة باب المندب. وحسب الدكتور عبد الكريم الإرياني لصحيفة "26 سبتمبر" في 17 يوليو – تموز 2008م أبدى من باب المندب بتعز مهارات قيادية فائقة، وتجلت إجادته لفنون القيادة بتلك المنطقة مما عزز مكانته ضمن قياديي يونيو – حزيران، ففي أهم المراكز الحضرية اليمنية حيث تموج التيارات السياسية المختلفة حوول جعلها مركز انقلاب على الانقلاب التصحيحي واغتيال قائدها إبراهيم الحمدي، فاستطاع "تيس الضباط" علي عبد الله صالح إحباط العملية كليةً فتصدر قيادة لواء تعز.
لعل المدينة الواسعة من باب المندب إلى الراهدة ومن المقاطرة إلى شرعب، وأمواجها السياسية والاجتماعية والثقافية شكلت أفقاً جديداً لقائد لوائها، لاسيما وقد وعى خصوصيات المدينة وطبائعها ومكوناتها الجغرافية فامتزج بأهليها وغاص في أعماقهم وشهد تفاعلهم الحيوي سياسةً واقتصاداً وفكراً ما صبغه هو نفسه بصبغة تعزية أججت في أعماقه الحرص على مضاعفة الاهتمام بكل المحافظة، كونها مدخل الجنوب اليمني ومثلت على مدى تاريخها ظهيراً ورافداً استراتيجياً للحركة الوطنية اليمنية في الشمال والجنوب وبوابة العبور إلى المجد التاريخي.
ومن موقعه القيادي بتعز، والحرص على تثبيت وركائز الأمن والاستقرار، لم يقف عاجزاً إزاء محاولات التخريب التي تقوم بها إما "الجبهة الوطنية" أو أي من المتمردين، وأثبت قدرته على إخماد تلك الفتن مستعيناً بكافة القوى الوطنية والعسكرية.
وبخلاف مشاركاته في بعض الجولات الخارجية للرئيس إبراهيم الحمدي إلى فرنسا وبريطانيا بأوربا، وتونس بشمال أفريقيا، والسعودية وسط الجزيرة العربية، ومصر قلب العروبة، التي زارها أول سبعينيات القرن العشرين في مهام عسكرية مختلفة، اكتسب خبرة في تحضير وإعداد بعض الاجتماع الموسعة، وأوكل إليه التحضير والإعداد لمؤتمر الدول المطلة على البحر الأحمر متجاوزاً شح الإمكانات بالمحافظة.

يقظة بعد غفوة

ما انقضى العام 1977م إلا برحيل الرئيس إبراهيم الحمدي، وتبوأ المقدم أحمد الغشمي مهام الرئاسة، وبرز تمرد سرعان ما أُخمد بقيادة أبي أحمد، في مناطق تابعة لمركز قيادت. وتتالت الأحداث حتى فتتت حقيبة ملغومة جسد الرئيس الغشمي، ونثرت أشلاءه، فيتلقى القائد "علي" النبأ قبل وصول رئيس الأركان علي الشيبة إلى زيارة المنطقة في جولة عسكرية داخلية.
شل النبأ حركة التفكير تجاه تلافي أضرار الحادث وآثاره في كل الوطن المفجوع بتساقط رؤسائه في الشمال والجنوب واحداً تلو الآخر، ثم استيقظت البديهة من غفوتها المفاجئة لترتحل بصاحبها القائد المقيم في تعز إلى مجلس الرئاسة بـ"عاصمة العزاء": صنعاء، وقد حوت كفن الرؤساء.

من القيادة بتعز إلى القيادة والرئاسة

ويبدأ بجمع رفاقه الموثوقين والممكن الاعتماد عليهم والركون إليهم بمهام جسيمة تدرأ مآل الحال العام إلى غير المرجو من الأمان والثبات والسكينة العامة، وبما لا يُخرِج الوضع عن سيطرة القوات المسلحة والأمن وكافة المؤسسات الدستورية بالبلد.
برزت رؤى التكتيك وقدرة التنفيذ على خطف الأوضاع من براثن الفوضى والانفلات، مما جعل القائد علي عبد الله صالح رئيساً من قبل تولي الرئاسة، وموجهاً في ظل موجهين كبار خبروا الأمور والحياة وكيف تدار.
وضمن مجلس الرئاسة المؤقت صار الرائد علي عبد الله صالح مقدماً، لما رؤي مقداماً. وبقرار جماعي يغدو نائباً للقائد العام للقوات المسلحة ورئيساً لهيئة الأركان العامة بعد ترقية رئيس الأركان السابق إلى قائد عام للقوات المسلحة.
ولم يذهب عضو مجلس الرئاسة، العسكري صفةً والمدني طبعاً، علي عبد الله صالح إلى الانقلاب على باقي المراكز السياسية ونظرائه بالمجلس الرئاسي مستنداً على ما تحيط به وتتبعه من قيادات عسكرية انجذبت إليه منبهرةً بقدراته ومواهبه وفطرته التي قادته إلى المخاطرة بحياته فيما توارى غيره، واختيار كفنه فيما اختار غيره حياته، وإنقاذ وطنه من مخاطر البقاء بدون قيادة.
ولم يكن من السذاجة بحيث لا يعمم الإجراءات الاحترازية على مختلف المرافق والهيئات فقط، إنما على نفسه أيضاً، حد التقليل من الاختلاط والالتقاء بالإعلاميين.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
إدارة التحليلات والتقارير بوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)