الميثاق إنفو - يجمع الباحثون من مختلف التخصصات على أن أي نظام سليم لتربية وتعليم النشء يجب أن يهدف إلى:-
1) إعداد المواطن لتحمل واجبات المواطنة.
2) إعداد المواطن لكسب عيشه.
3) إعداد المواطن للقيام بالتزامه الأدبي والعيش الهانئ البعيد عن المنغصات، واستغلال طاقاته إلى أقصى قدر ممكن.
وذلك أنطلاقاً من الإيمان بأن التربية والتعليم يلعبان دوراً فريداً في المجتمعات الديمقراطية لأن النظام التربوي في النظام الديمقراطي يؤهل المواطنين لأداء مهام المواطنة وحماية مصالحهم وحقوقهم فماذا يقصد بالمواطنة.
تعتبر المواطنة حق الإنسان الطبيعي لأنها تمثل حقه في أن يكون له حقوق، فإذا انتزع منه هذا الحق الذي لا يقدر بثمن فإنه يصبح شخصاً لا موطن له وموضع احتقار وازدراء من الجميع وبالتالي يفقد الحماية القانونية لأي بلد، وذلك لأنه يصبح مواطناً بلا وطن.
ولهذا تنص معظم الدساتير بأنه لا يجوز إسقاط الجنسية عن المواطن إطلاقاً، أما من أكتسبها فالقانون ينظم ذلك، كما أنه لا يجوز تسليم المواطن إلى سلطة أجنبية وذلك يعني أنه لا توجد الصلاحية للحكومة في انتزاع حق المواطنة من مواطن متمتع بالجنسية الأصلية.
ولا أعني هنا بـ( كل مواطن) المواطنين البالغين سن الرشد السياسي فقط وإنما اقصد كل مواطن سواءً كان صغيراً أو كبيراً وذلك لأن المواطنة هي الوظيفة السياسية الأولى في ظل الحكم الدستوري ومن أجل ذلك قامت الثورات ودفعت التضحيات الكبيرة والجسيمة وفي النظام الديمقراطي، يكون المواطنون هم الحكام الفعليين وذلك يعني أنهم الحكام الدائمون، أما بقية الوظائف الأخرى التي تنشأ طبقاً للدستور فتعتبر وظائف ثانوية.
كما أن أهم شرط لمن يشغل وظيفة سياسية هو شرط المواطنة كما نجد أيضا أن كل الموظفين سواءً كانوا يحملون الجنسية الأصلية أو متجنسين يعملون في وظائفهم فترات زمنية متباينة ولكنهم مدى الحياة مواطنون، والفرق واضح بين ديمومة المواطنة وزمنية العمل في أي وظيفة كانت، ولذا فمن الأهمية بمكان معرفة إعطاء المواطنة المكانة الصحيحة التي تستحقها.
ولو قام أي منا بتأمل الهيكل التنظيمي للدول لوجد أن كل شاغلي وظائفه يؤدون الأعمال المناطة بهم خدمة للمواطنين ومن خلالهم يحكم الشعب نفسه بنفسه، وذلك لا قلل من شان هذه الوظائف وإنما تدل على أداء وظائف هامة تحمل في طياتها مسؤولية كبيرة يتحملها شاغلوها نتيجة لثقة الشعب بهم.
ومما يؤسف له أن ميراث التخلف لا زال عالقاً في الكثير من الأذهان، فالكثير من المواطنين شيباً وشباناً لا يزالون يعتقدون أن الموظفين الحكوميين حكام لهم بدلاً من الاعتقاد أنهم ما وجدوا وصلوا إلى مراكزهم إلا لتنفيذ السياسات التي توفر حياة العزة والكرامة لهم ولتنفذ أمالهم وأمانيهم، وهو ما قامت الثورات من أجل تحقيق مواطنون لا رعايا.
وحقوق المواطنة هي حقوق طبيعية يتعين أن يتمتع بها كل إنسان كما يتعين أن توفرها وتلتزم بها سلطة الحكم التي تستمد شرعيتها من إدارة موطنيها وهي ترتبط معهم بعقد إجتماعي ينظم هذه الحقوق ويحدد الآليات التي تكفل احترامها وتضمن التزام الطرفين بها.
ولحقوق المواطنة أبعاد عدة متكاملة ومترابطة مع بعضها البعض فهنالك البعد السياسي وذلك يتطلب توفير مجموعة من الحقوق أهمها: الحق في الحياة والحرية والسلامة البدنية، وعدم التعرض للاسترقاق أو الاستعباد و التعذيب أو القبض التعسفي أو النفي، وحق التقاضي أمام محاكم مستقلة، والتمتع بحرمة المسكن والمراسلات، وبحياة شخصية وأسرية وعدم المساس بالشرف أو السمعة، والحق في الحصول على جنسية والتنقل بحرية واختيار محل الإقامة وتجريم الأضطهاد، والحق في الملكية وحرية العقيدة والتفكير والضمير وممارسة الشعائر والانضمام إلى أحزاب سياسية وجماعات مدنية سلمية، والمشاركة في إدارة شؤون البلاد وتقلد الوظائف العامة.
وهنالك البعد الاقتصادي والاجتماعي وذلك يتطلب توفي العدالة وتصحيح الخلل في توزيع الثروة والسلطة معاً وضمان عدم تهميش الفئات الاجتماعية الضعيفة واغترابها، كالأقليات والفقراء ومحدودي الدخل والنساء وكبار السن وأصحاب الاجتماعية الضعيفة واغترابها، كالأقليات والفقراء ومحدودي الدخل والنساء وكبار السن وأصحاب الاحتياجات الخاصة وهو ما لا يتأتي إلا بتوفير جملة من الحقوق منها: الحق في العمل والحماية من البطالة : والحصول على أجر عادل ومستوى معيشة يكفل حياة كريمة توفر مسكناً وملبساً وتغذية وتعليماً ورعاية صحية لائقة والتمتع بأوقات فراغ وإجازة مدفوعة الأجر، والحق في الانضمام إلى النقابات والحصول على ضمان اجتماعي وتأمين ضد البطالة والمرض والعجز والشيخوخة.
وهنالك البُعد الثقافي وذلك يتطلب حماية اللغة باعتبارها الوعاء الثقافي الجامع للأمة، وحماية الخصوصيات الثقافية والحضارية للأفراد والجماعات، خاصة في الدول التي تقطنها شعوب متعددة الأعراف والأديان والطوائف، والحيلولة دون تحكم جماعة أو طائفة بعينها في بقية الجماعات والطوائف الأخرى أو السعي لفرض الوصاية عليها مستغلة في ذلك أغلبيتها العددية أو ثقلها السياسي أو ميزاتها الاقتصادية فمن حق كل جماعة عرقية أو دينية وكل طائفة أن تعبر عن هويتها وذاتيتها الثقافية، وأن تمارس شعائرها وطقوسها الدينية في حرية بما يحفظ حقوق الجميع ويمكنهم من ممارسة حق الاختلاف في إطار من الحرص على وحدة الأقطار.
ولا تستقيم المواطنة الفاعلة إلا في ظل حرص أطراف العملية الاجتماعية وشركائها كافة على موازنة الحقوق بالواجبات، ضماناً لتنوع يحفظ وحدة الوطن ويصون في الوقت نفسه حق الشعوب في تقرير مصيرها وفي التطلع إلى وحدة شاملة تكفل لهم مواطنة عربية وفق صيغ وآليات ومناهج تختارها الشعوب بكل حرية ( إعلان الرباط : المواطنة في الوطن العربي 2008م).
إن تفعيل حق المواطنة في الوطن العربي يتطلب خطة عمل تشارك فيها جميع الأطراف والتيارات وتأخذ في الحسابات ما يأتي:-
أولاً:
استئصال كل صور الاستبداد والفساد التي تشهدها الدول العربية بأشكال متباينة، والقيام بالإصلاحات السياسية الضرورية لدفع عملية التحول الديمقراطي بما يضمن تداولاً حقيقياً وسليماً للسلطة وآليات تكفل رقابة مؤسسية ومساءلة على الصعيدين السياسي والقانوني وتمكن جميع المواطنين من ممارسة حرياتهم السياسية والمدنية الفردية والجماعية ، والحصول على المعلومات من مصادرها الأولية.
ثانياً:
مكافحة كل صور الفقر والجهل والمرض بالعمل على التوزيع العادل للثروة ، والقضاء التام على الأمية والارتقاء بالمؤسسات الفكرية والثقافية والتعليمية، بما يمكنها من ترسيخ قيم المواطنة والهوية العربية ونشر ثقافة التسامح.
ثالثاً:
مقاومة الاحتلال الأجنبي والتبعية فليس بوسع الأفراد أو الجماعات أن يتمتعوا بحقوق المواطنة الفاعلة إذا كان الوطن محتلاً أو تابعاً أو منقوص السيادة.. ( إعلان الرباط المواطنة في الوطن العربي 2008م).
الوحدة الوطنية مفاهيم وأبعاد:
يتعرض الوطن العربي لكثير من المؤامرات والخطط التي تهدد وحدة كياناته ومكتسباته وبدلاً من أن تتجه الرؤى إلى إيجاد صيغ لتقوية علاقات التعاون فيما بين وحدات النظام العربي توجد صيغ أخرى تتجه إلى تفتيت وحدات النظام العربي إلى كيانات أصغر فلا يخفى على الجميع التهديدات التي تواجهها العراق وليس خافية على أحد حتى أصبحت تمثل نموذجاً يسمى بالعرقنة وهناك اللبنية.
وكما لا يخفى على أحد ما يحاك ضد السودان من مؤامرات وآخرها قرار محكمة الجنايات الدولية بالقبض على الرئيس البشير ناهيك عن المشاكل التي تواجهها بقية الدول كنتيجة لضعف مفهوم المواطنة فهناك مشاكل الأقليات الدينية والطائفية والعرقية.
ولقد استطاعت اليمن تحقيق منجز كبير بإعادة تحقيق وحدة الوطن اليمني، والذي اعتبره الكثير من المحللين من أهم الأحداث التي شهدها الوطن العربي في القرن العشرين ولكن لا يخفى عليكم ما يحدق بمنجز الوحدة وبالوطن من أخطار وما يمر به من ظروف دقيقة حرجة وما يعانيه من ضغوط وما يواجهه من مؤامرات تهدد الوحدة الوطنية وتعرضها للاختراق من قبل الأعداء الأمر الذي يوجب على كل مخلص من أبنائها أن يبذل أقصى الجهد والتصدي لمحاولات النيل من ووحدته والمساس بأمنه واستقراره وتهديد مصالحه، وأن يتنبه كل ذي لب لعوامل التنافر والشقاق وظهور العداوات سواء من العصبيات القبلية أو النعرات المناطقية والطائفية والمذهبية أو الاختلافات الفكرية أو أي شكل من أشكال الغلو والتطرف .
وما من عاقل عارف بالأمور ينكر أن اختلاف الآراء وتنوع الاتجاهات وتعدد المذاهب أمر واقعي في حياتنا وطبيعة من طبائع الناس الذين خلقهم الله بعلمه وحكمته على فوارق في الفهم والإدراك والفكر وتعدد في مشارب العلم والمعرفة واختلاف في أساليب الحوار، ومن ثم يجب توجيه الاهتمام للتخفيف من حدة الاختلاف بالحكمة والكلمة الطيبة وبذل الجهد للحد من تحول الاختلاف إلى خلاف وشقاق لا تستقيم معه الأمور ولا يصلح الشأن ولا تسلم معه وحدة الوطن والأمة ووحدة الكلمة من التهديد والخطر.
ولا يستطيع أحد أن يتجاهل ما أصبح عليه العالم الآن من حولنا وما حدث فيه من تطورات متسارعة مذهلة على الصعيد العلمي والتقني حيث أهتدى الإنسان إلى علوم كثيرة ولعل أبرزها وأشدها أثر تلك التي حدثت في مجالات الاتصالات والإعلام والتي ساهمت في تحويل العالم بأسره إلى قرية واحدة يتبادل الحديث والرأي كل سكانها في وقت واحد بلغة واحدة أو بلغات متعددة مفهومة فتحطمت أمام حقائق العلم كل الأسوار المنيعة واخترقت وسائله خصوصيات كافة المجتمعات على اختلاف عقائدها وثقافاتها وتقاليدها.
وبحكم أننا جزء من هذا العالم الفسيح ومجتمع من مجتمعاته ولا نستطيع العيش في عزلة عنه وأن حماية البلاد والمواطنين من الأفكار المخالفة والأتجاهات المؤثرة الضارة لم تعد متاحة بوسائل الحجب والمنع كما كانت في السابق فقد أصبحت الحاجة ملحة وماسة لأن نفكر سوياً في نهج أساليب جديدة وطرق مختلفة لحماية وطننا ومواطنينا بما هو مجد وفعال ولاشك في أن أنجع الأساليب وأجداها في هذا الاتجاه هو الإقناع ومخاطبة العقل والاستعانة بالمنطق في إطار منطق سليم وحوار هادئ منظم يرتكز على تبيان الحجة واحترام الرأي الآخر وإتاحة الفرص لتبادل الرأي والمناقشة.
ونتناول في هذه الورقة عدة محاور للوحدة الوطنية ومفاهيمها وأبعادها ونختتم بمقترح لإستراتجية وطنية لتعزيزها وذلك على النحو التالي:
أولاً:
الوحدة الوطنية ليست معزولة عن الوحدة العربية والإسلامية وإنما هي دائرتها الأولى والمقدمة الطبيعية لها بل هي جزء من الولاء للإنسانية وقيمها النبيلة في رفض الظلم ومنافحته، وفي هذا الصدد دعونا نستشهد بمقولة الإمام الجزائري أبن باديس إذ يقول إننا نحب الإنسانية ونعتبرها كلاً ونجب وطننا ونعتبره منها جزءً ونحب من يحب الإنسانية ويخدمها، ونبغض من يبغضها ويظلمها وبالأحرى نحب من يحب وطننا ويخدمه ونبغض من يبغه ويظلمه فلهذا نبذل غاية الجهد في خدمة وطننا ويخدمه، ونبغض من يبغضه ويظلمه فلهذا تبذل غاية الجهد في خدمة وطننا وتحبيب بنيه فيه، ونخلص لكل من يخلص له ونناوئ كل من يناوئه من بنيه ومن غير بنيه.
ثانيا:
مفهوم الوحدة الوطنية:
عندما نتحدث عن الوحدة الوطنية فإننا نقصد العمل من أجل:
- تعزيز وتعميق مفهوم الولاء للوطن الأكبر.
- وحدة المشاعر تجاه قضايا الوطن والأمة.
- التكامل في البرامج وليس التصادم.
- وحدة الأهداف.
- مراعاة خصوصيات شرائح المجتمع.
ثالثاً:
الوحدة الوطنية فريضة شرعية لقول الله سبحانه ( واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا وأذكروا نمه الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته أخوانا)
وقوله ( ولتكن منكم أمه يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر وأولئك هم المفلحون )
وقوله ( وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان )
ولما رواه مسلم وأبو داود والترمذي عن عرفجة: ( سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق هذه الأمة وهي جمع فأضروه بالسيف كائنا من كان )
وفي الحديث الذي رواه النسائي ( فإن يد الله على الجماعة والشيطان على من فارق الجماعة يركض ) والشواهد على ذلك كثيرة منها:
- بناء مجتمع المدينة وفق صيغة سجلتها أول وثيقة في التاريخ نظم حياة مجتمع متعدد الديانات والأعراف والبيئات.
- إعطاء الأولوية للرحم والجوار.
- موقف العلماء من الوحدة الوطنية ( أن الإسلام قد فرضها فريضة لازمة لا مناص منها أن يعمل كل إنسان لخير بلده وأن يتفانى في خدمته وأن يقدم أكثر ما يستطيع من الخير للأمة التي يعيش فيها وأن يقوم في ذلك الأقرب فالأقرب رحماً وجواراً ومن هنا كان المسلم أعمق الناس وطنية وأعظمهم نفعا لمواطنيه لأن ذلك مفروض عليه من رب العالمين.
رابعاً
موقع الوحدة الوطنية في الأدبيات اليمنية ( كنموذج):
1) يؤكد الميثاق الوطني والبرنامج الانتخابي لفخامة رئيس الجمهورية وبرنامج الحكومة في أكثر من موقع على :
أ) ترسيخ الوحدة الوطنية وترسيخ المنهج الشورى الديموقراطي.
ب) ترسيخ الوحدة الوطنية بين أفراد الشعب لحماية الوطن وضمان استقراره ومحاربة النزعات العرقية والمناطقية والطائقية والقبلية التي تهدد الوحدة.
2) أكد البرنامج الانتخابي للمؤتمر الشعبي العام لأنتخابات مجلس النواب على التصدي للدعوات العرقية والمناطقية والطائفية التي تستهدف تجزئة الأمة وزرع الأحقاد فيها.
3) وجه المؤتمر الشعبي العام العديد من النداءات والدعوات لأحزاب اللقاء المشترك تنبه إلى خطورة العبث بالوحدة الوطنية.
4) أصدرت هيئة علماء اليمن بيانات تحرم الدعوة إلى العصبية وتحذر من مخاطر المس بالوحدة الوطنية.
5) تحتل الوحدة الوطنية مساحة واسعة في أدبيات المؤتمر الشعبي ( الحزب الحاكم ) وتدعو كل الأحزاب والتنظيمات السياسية للالتقاء على كلمة سواء لحماية الوطن وصون وحدته ودرء الأخطار عنه.
خامساً:
الأخطار التي تترتب على توهين الوحدة الوطنية
1) اسخاط الله عز وجل والتعرض لغضبه في الدنيا وعذابه في الآخرة.
2) إثارة الفتن وما يترتب عليها من صراعات وعداوات وثارات وغياب الأمن.
3) الانصراف عن العمل الجاد المثمر وتعطيل المصالح العامة والخاصة وتأخير أو إفشال خطط التنمية.
4) إضعاف قوة البلد وفتح الأبواب أما الطامعين به لتحقيق أهدافهم وافساح المجال لتدخلات خارجية بحجة حماية الأقليات وما يترتب على ذلك من تهديد الاستقلال ونهب الثروات.
5) العجز عن تقديم الدعم للأشقاء الذين يتعرضون لعملية إبادة على أيدي العدو الصهيوني.
6) إيجاد جو من اليأس والإحباط والتقاعس عن القيام ببرامج الإصلاح.
وكل هذه المعاني وغيرها يتضمنها قول الله عز وجل ( ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم ) وشواهد ذلك في تاريخنا القديم والمعاصر كثيرة.
سادسا:
العوامل التي تعمل على إضعاف الوحدة الوطنية:
1) الاستعمار الذي يذكي روح العصبية والطائفية والمذهبية والعرقية فيحيي ويذكي العداوات وعادات انقرضت ويعمل على تشويه التاريخ ويوجد بؤر للصراع.
2) الدعوات الضالة التي أبعدت الدين نهجه السمح عن حياة الأمة كموحد لها وموجه لسلوكها.
3) الأحزاب والجماعات التي لا تحظى بثقة المواطنين ولا تمثل ضميرهم فتلعب على التباينات الموجودة في المجتمع وتحولها إلى تناقضات.
4) ضعف الوازع الديني وعدم القيام بحقوق الأخوة الأمر الذي يورث الحسد والضغينة وصدق رب العزة القائل ( خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها ).
5) سوء الأوضاع الأقتصادية التي تجعل الإنسان خائفا عل مستقبله.
6) السياسات الصهيونية التي تسعى لإثارة الفتن.
7) التدخل من أطراف خارجية الأمر الذي يوجد تناقضات على الساحة الوطنية.
8) غياب الحوار الجاد الصريح الهادف والصادق بين مختلف الأطراف ومؤسسات المجتمع المدني مما يوسع الفجوة ويوجد حالة من الأستقطاب.
سابعاً
من مظاهر الخلل في الوحدة الوطنية:
1) الاصطفاف على أسس مناطقية عشائرية وطائفية وعرقية ومذهبية.
2) أقلام وأصوات تنخر جذور الوحدة الوطنية مفضلة مصالحها على مصالح الوطن.
3) التعبئة والتحريض ضد قطاعات معينة بدعوى التحذير من أخطارها.
4) الوقوع في حبائل دول وجهات معادية وترديد أفكار هذه الجهات والترويج لها.
ثامناً
الحفاظ على الوحدة الوطنية مسؤولية الجميع:
الوحدة الوطنية إجمالاً تعني اتفاق قوى الشعب المتنوعة الاتجاهات والمشارب، القومي و الديني والطائفي والسياسي على تغليب انتمائها الوطني على أي انتماء آخر يؤدي إلى التفرقة والتشرذم وبصفة عامة فإن الوحدة الوطنية تعني أن تكون المواطنة هي الهدف الأسمى الذي تجتمع تحت سقفها كل القوى المتنوعة.
إن شعباً ، يتكون من ديانات وفرق وطوائف وقبائل متعددة، وينحدر من أصول قومية متنوعة وأقليات قومية أخرى، لا يوجد ما يجمع بين كل هذه المكونات المتنوعة إلا الولاء للوطن وبعكسه فإن اختلفوا في ولائهم فستكون النتيجة مجموعة ولاءات متعددة، قد تكون بدافع الدين، أو القومية أو القبيلة عندها فإن المصير الذي يتناسب ومجموعة الولاءات المتعددة تلك هو التجزئة وبحسب الولاءات المجزئة للناس سيتجزأ الوطن.
ولكن رب سائل يسأل كيف يمكن أن تجتمع كل هذه المكونات المتنوعة على ولاء واحد وقبل الإجابة على هذا التساؤل لنتحدث قليلاً عن أهمية تنمية الشعوب بالمواطنة لدى الفرد وكيف يمكن أن يؤدي هذا الفرد الدور الواجب عليه في حماية الوحدة الوطنية أو العكس من ذلك الأسباب التي تمكن وراء ضعف الشعوب بالمواطنة ونتائج ذلك على الفرد.
إن الحديث عن تنمية الشعوب بالمواطنة لدى الفرد أو على العكس إضعاف هذا الشعوب بل وربما قتله لديه يتم عبر الحديث عن شعوره إما بالعدل والمساواة واحترام شخصيته وصون كرامته أو الشعوب بالظلم والقهر والحط من كرامته واحتقار إنسانيته إن المواطن الذي يشعر أنه محط احتقار واستهانة من قبل حكومته وبأنه يعيش تحت وطأة الظلم والقهر وعدم المساواة فإنه لن يتوانى عن فعل أي شيء يشعره بتوجيه الأذى والضرر لهذه الحكومة الظالمة وفي ظل هذا الشعور المتنامي للانتقام من النظام يفقد هذا الفرد الإحساس بحقيق الإيذاء والضرر الذي سيسببه بعمله هذا لقضية الوطن والحفاظ عليه.
إن الفرد الذي يعيش مع الإحساس بالظلم والقهر سيفقد بكل تأكيد أدنى رؤية ممكنة للفصل بين النظام والوطن ، وسيتحول الاثنان عنده إلى واحد، لذا فإن شعوره تجاه النظام الحاكم سينعكس بالسلب على الوطن بدون أن يشعر بذلك فهو ينسى أن النظام مهماً طال بقاؤه لن يخلد وسيأتي اليوم الذي يأتي بغيره وتلك الأيام نداولها بين الناس وهذه سنة الحياة أما الوطن فإنه باق ما بقي أبناؤه يذودون عنه ويحمونه بولائهم له.
إن تجارب الشعوب عبر التاريخ أثبتت أن الشعور بالولاء لا يرتبط بأي شيء أخر قدر ارتباطه بمكانه الفرد في المجتمع والحديث هنا دوماً على المجتمعات التي تتكون من تعددية قبلية أو دينية أو طائفية، أما الدول التي لا توجد فيها مثل هذه التعددية فأنها لا تعاني من مشكلة الولاء بهذا القدر الواضح على سطح الحياة السياسية.
إن مشكلة الشعور بالظلم والتهميش يمكن في استحواذ جماعة معينة من الشعب على مراكز القوى مجتمعه دون الآخرين ، غض النظر عن كون هذه الجماعة تشكل الأغلبية من المجموع الكلي للمواطنين أو على العكس وهذه الحالة ستؤدي إلى مجموعة من المشاكل التي تقف في مقدمتها مشكل التوزيع العادل للثروة الوطنية حيث ستقود بدورها إلى مجموعة مشاكل صغيرة متفرقة تلقي بظلالها على قضية الوحدة الوطنية الولاء للوطن.
إن التوزيع العادل للثروات الوطنية، هو الضمانة لنيل جميع المواطنين الفرصة نفسها من الرقي والتطور ودون أدنى تميز وعلى أي أساس كان، في حين تتوفر للمواطن في أي منطقة من مناطق البلاد الخدمات نفسها، لن يشعر هذا المواطن بأنه يتعرض للتمييز عن بقية المواطنين مما ينمي عنده روح المواطنة وتنمية ولائه للوطن.
وعلى العكس مما تقدم إن كان هذا المواطن يعيش في وضع متخلف عن بقية مناطق البلاد في حين يرى سكان المدن الأخرى يعيشون بشكل مختلف وتتوفر لهم خدمات ليست متوفرة في منطقة عندها سيشعر بأنه مواطن من الدرجة الثانية ويستقل هذا الشعور روح المواطنة لديه، ولن يعنى له الولاء الوطني شيئاً.
وعلى هذا الأساس فإن صلب المشكلة يكمن في الحالة الأقتصادية للمواطن وانعكاس ذلك على حالته الاجتماعية وهذا ما يمكننا أن نلاحظة بكل سهولة عندما تنظر بعين فاحصة ومجردة عن أي تحزب إلى مشاكل مجتمعنا فالمواطن الذي يشعر بأن خيرات بلده تذهب باتجاه محدود عندها لن يشعر هذا المواطن بأي شيء تجاه وطنه ولسنان حاله يقول: الوطن الذي لا يوزع خيراته بين أبنائه بالتساوي والإنصاف لا يتوقع من أبنائه المحرومين أن يمنحوه حبهم وولاءهم.
إن تنمية روح المواطنة، يمر عبر بوابة العدالة والمساواة بين المواطنين وصون كرامتهم، هو الواجب الذي يقع على عاتق الحكومة والقيادة السياسية والأقتصادية والإجتماعية والثقافية.
تاسعاً:
نحو إستراتيجية لتعزيز الوحدة الوطنية:
1) إجراء حوار وطني شامل يفضي إلى تحريم المس بالوحدة الوطنية وتجريم استعمال أية وسيلة تعمل على النيل منها.
2) إعتماد سياسة وطنية تقوم على احترام الحقوق والواجبات.
3) إعتماد سياسة إعلامية راشدة تتبنى قيم الشعب وهي عربية وإسلامية ( الإيمان بالله، الأخوة، التسامح، العدل ) وتصدر عن المصالح العليا للوطن وتتصدى بوضوح وعمق ومسئولية لكل سلوك ينخر جدار الوحدة الوطنية، وعلى وسائل الإعلام مراعاة الإسهام في تعزيز مفهوم الوحدة الوطنية وعدم المساس بالثوابت التي قامت عليها.
4) إعادة النظر في رسالة المسجد من حيث القائمين عليها وأولوياتها وطرائق تناول القضايا والموضوعات.
5) التزام المؤسسة التربوية بفلسفة التربية والتعليم والأهداف التربوية وبرامج التوجيه والنشاط بما يخدم هذا الهدف والاستمرار في تطوير عناصر العملية التربوية بما يحقق مواكبة العصر وتعزيز الوحدة الوطنية وبما ينمي في نفوس الطلاب صفة الانتماء والاستعداد للبذل والتضحية وتقديم المصلحة العام وبما يضمن حماية الهوية الوطنية للمواطن ووعيه بها وحمايتها من أي مؤثر سلبي.
6) إعتماد خطاب وطني راشد إزاء قضايا الأمة يتضمن ما يلي:-
أ- القضية الفلسطينية قضية عربية إسلامية ومسئوليتها عربية إسلامية، والتأكد على أن مقاومة الاحتلال الصهيوني في فلسطين حق مشروع ونؤيد بهذا الخصوص الجهود المبذولة لتوحيد الصف الوطني الفلسطيني والسعي الجاد في نصرة الشعب الفلسطيني نحو استرداد حقوقه المسلوبة ورفع الظلم عنه.
ب- قوة الوطن ووحدته وتماسكه قوة لقضايا الأمة ومحاولة إضعافه وتمزيق وحدته فرصة للعدو لتحقيق أهدافه في فلسطين والعراق والسودان وغيرها.
7) تبني ميثاق شرف يحرم ويجرم الدعوة إلى العصبية القبلية والطائفية والعرقية والمذهبية والعمل من أجل تعزيز وحدة الوطن في عالم لا مكان فيه إلا للأقوياء.
8) الوعي بما يحدق بالوطن من أخطار وهجمات شرسة تمس وحدته الوطنية والتنبيه إلى ما تحدثه عوامل التنافر والشقاق بأشكاله القبلية أو المناطقية أو من هدم لعرى التماسك والترابط وأواصر بناء العلاقات الأخوية في ظل الوطن الواحد.
9) إدراك أن الاختلاف والتنوع الفكري وتعدد المذاهب واقع مشاهد في حياتنا وطبيعة من طبائع البشر يستثمر في التأسيس لإستراتيجية التعامل بنهج الديمقراطية والحوار الحر وتوجيهه الوجهة السليمة التي تخدم أهداف الوطن وثوابته.
10) الأخذ في الاعتبار الواقع المعاصر والتقدم التقني في الاتصالات وتداول المعلومات بسرعة دون موانع أو عوائق مما يحتم ضرورة وضع أساليب جديدة لحماية الوطن والمواطن.
11) المحافظة على الوحدة الوطنية لهذه البلاد المبنية على الثوابت الوطنية التي تستمد منها الدولة نظامها ويستمد منها المجتمع هويته وتعميق معاني الديمقراطية ومنعاً من الافتراق والتشتت واستتباباً للأمن بكل معانيه المادية والمعنوية.
12) إن من أقوى دعائم الوحدة الوطنية الاهتمام بمعالجة هموم الحياة اليومية للمواطن والتوازن في توزيع برامج التنمية بين المناطق المختلفة، والاهتمام بالمناطق الريفية بهدف استكمالها للخدمات الأساسية.
13) مراعاة قضايا الشباب في خطط التنمية وبرامجها وبذل المزيد من الاهتمام بها والمعالجة الشاملة لكافة المشكلات التي يواجهونها.
14) الاستمرار في عملية الإصلاح بكافة جوانبه وتوسيع قاعدة المشاركة الشعبية بما يعزز الوحدة الوطنية ويعمق مشاعر الانتماء.
15) الإسلام دين وسط في العقيدة والأحكام الشرعية لا يقبل الغلو والتشدد كما لا يقبل التحلل من الثوابت الشرعية ويفرق بين التشدد والغلو والتمسك بالسنة والالتزام بها.
16) أهمية الحوار كوسيلة للتغيير عن الرأي وأسلوب للحياة وتأطيره لتحقيق التعايش من خلال منهجية شاملة تلتزم بالأصول والضوابط الوطنية.
17) الاختلاف والتنوع الفكري سنة كونية وحقيقة تاريخية لذا لا يمكن إلغاؤه وتجاوزه وإنما بضبطه تحري الحقيقة والموضوعية والعدل، وتحديد مرجعيته بالدستور والثوابت الوطنية.
18) العمل على معالجة القضايا التي تواجه المرأة وتوسيع دائرة مشاركتها.
19) ضمان حرية التعبير وفق الضوابط الدستورية والقانونية المعتبرة والتأكيد على ضرورة محاسبة من يمس الثوابت الوطنية والمصالح المتفق عليها أو حريات الآخرين.
20) ضرورة الوعي بالظروف الإقليمية والدولية ومراعاتها والاستفادة من الطاقات العلمية والفكرية في تأصيل العلاقات الدولية على منهج الحوار وبما يحقق المصالح الوطنية ويحميها.
ٌُُوبالله التوفيق،، ،
إعداد الدكتور/أحمد محمد الكبسي-
عضو الهيئة العملية لمعهد الميثاق
مجلة الثوابت