كيشور محبوباني - ليس من الحكمة أن نقلل من الأهمية شبه الميتافيزيقية للانتخابات الهندية الأخيرة. فقد ساعد الجمهور الانتخابي الهندي على نحو حاسم في دفع تاريخ العالم في الاتجاه الصحيح، وذلك بإعادة انتخاب الشراكة القائمة بين مانموهان سينغ وسونيا غاندي، اللذين أصبح لديهما الآن من الصلاحيات والسلطات ما يسمح لهما بالضغط من أجل المزيد من الإصلاح والتحرر على الصعيد الاقتصادي. والآن سينطلق النمر الهندي الناشئ. ولا شك أن تزامن نهضة الصين والهند من شأنه أن يعزز من قوى التحديث والاعتدال على مستوى العالم. وفي وقت الأزمة العالمية فلابد أن يحتفي العالم بهذه الدفعة الجديدة من الطاقة.
الحقيقة أن أحداً لم يتوقع هذه النتيجة المذهلة، بل لقد استخف أغلب المراقبين بقدرة الناخبين الهنود، الذين أدركوا الفوائد العديدة المترتبة على هذه الشراكة بين سينغ وسونيا غاندي. فقد أسهمت حكومة حزب 'المؤتمر' أولاً وقبل كل شيء في إحياء التقاليد العلمانية المعتدلة التي تبناها جواهر لال نهرو وأعادت الهند بقوة إلى الوسط السياسي، وانتزعت الحكم من المتطرفين الطائفيين والإيديولوجيين.
ثانياً، أدرك الناخبون أهمية إعادة انتخاب الزعيم المتواضع الحكيم القوي العزيمة الذي أدرك الاتجاه الذي يتعين على الهند أن تسلكه. ولا شك أن سينغ سيزيد من انفتاح الاقتصاد الهندي. وكما قال ذات مرة: 'رغم السوق المحلية الضخمة التي تمتلكها الهند إلا أن تجربتنا مع السياسات السابقة المنعزلة نسبياً، وكذا التجربة العالمية في هذا الصدد، تشير بوضوح إلى إمكانات النمو التي يوفرها التعاون التجاري والاقتصادي مع الاقتصاد العالمي'.
وأخيراً، سيواصل سينغ إعادة إشراك الدول المجاورة للهند في آسيا والدفع نحو المزيد من التعاون الإقليمي. في عام 1995 قال سينغ: 'إنها هذه الرؤية للهند المنبعثة من جديد وهي تحتل مكانها الذي تستحقه بوصفها محركاً لتوليد الطاقة الاقتصادية في آسيا هي التي ألهمت سياساتنا الاقتصادية'. وكما وقعت الصين على اتفاقية التجارة الحرة مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (ASEAN)، فإن الهند ستسعى إلى تحقيق الغاية نفسها. وستكتسح قارة آسيا عملية من التحرير الاقتصادي التعاوني، الأمر الذي من شأنه أن يضمن استمرار النهضة التي تشهدها المنطقة.
وستكون الثقة الثقافية الجديدة التي اكتسبتها الهند دافعاً لكل هذا. في الخمسينيات والستينيات كان عدد قليل من الهنود البارزين يؤمنون بأن بلدهم قد يتمكن ذات يوم من منافسة البلدان المتقدمة صناعياً. ومن ثم فقد كان نادي الصناعيين في مومباي ميالاً إلى الحماية على نحو متأصل. واليوم أصبح رجال الصناعة أنفسهم يؤيدون الإصلاحات التي تبناها سينغ، بعد اقتناعهم بأن الهند أصبحت قادرة على منافسة الأفضل. غير أن الهند مازالت تواجه العديد من التحديات: ثلاثمائة مليون مواطن هندي يعيشون تحت خط الفقر، والمتمردين الشيوعيين المسلحين، وخطر وقوع هجمات إرهابية على غرار ما حدث في مومباي، وانتشار الأحياء الفقيرة القذرة في المناطق الحضرية. فضلاً عن ذلك فكيف سيعمل سينغ على موازنة التسوية بين السياسات الداعمة للسوق والسياسات المناصِرة للفقراء؟ وكيف سيتمكن من التعامل مع تطلعات الطبقة المتوسطة المتنامية المطالبة ببنية أساسية أفضل، وتحسين قدرتها على الحصول على الرعاية الصحية والتعليم، وتوفير الإمدادات الكافية من الطاقة الكهربية والمياه النظيفة، وزيادة كفاءة مرافق النقل؟
لا شك أن هذه المشاكل لن تُـحَل بين عشية وضحاها. ولكن الاقتناع المتزايد بأن الغد سيكون أفضل من شأنه أن يساعد على استقرار السياسية الهندية. وقد تكوه هذه هي النتيجة الأكثر أهمية للانتخابات الهندية: خمسة أعوام أخرى من الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي، وهو ما من شأنه أن يخلق حلقة حميدة لا رجعة فيها من النمو الاقتصادي والاعتدال السياسي.
ستنمو الطبقة المتوسطة في الهند بسرعة، وهو ما سيزود البلاد بثِقَل موازنة يساعد على إبقائها على ركائز مستوية طيلة العقود القليلة القادمة. وهناك إحصائية أخرى جديرة بالذكر. ففي المرحلة الحالية من تنمية الاقتصاد في العديد من البلدان الآسيوية، من الممكن أن تؤدي زيادة نسبتها 10% في الدخل المتوسط إلى مضاعفة تعداد الطبقة المتوسطة. والواقع أن تحقق هذه التوقعات بات وشيكاً.
كان من قبيل المصادفة المحضة أن يُـقتَل زعيم نمور التاميل فيلوبيلاي برابهاكاران وأن يٌقضَى على هذه الحركة في الوقت نفسه الذي ذهب فيه أفراد شعب الهند إلى صناديق الاقتراع. ولكن لا ينبغي لنا أن يفوتنا المغزى من هذا الأمر. إذ إن برابهاكاران، وليس تنظيم 'القاعدة'، هو الذي اخترع التفجيرات الانتحارية. والقضاء عليه يؤكد أن نهر الإرهاب الذي أطلقه على التاريخ الإنساني كان عبثاً لا طائل منه.
ولكن إذا كان رئيس سريلانكا ماهيندا راجاباكسا يريد القضاء على روح الانفصالية التاميلية فلابد أن يتبنى ثقافة سينغ في الاعتدال السياسي. والحقيقة أن راجاباكسا كان حكيماً حين تحدث ببضع كلمات بلغة التاميل أثناء إعلانه عن النصر على نمور التاميل. ولابد أن يتابع هذا الجهد الآن بالعمل على خلق ببيئة منفتحة شاملة، كبيئة الهند، قادرة على تمكين كل من السنهاليين والتاميل على التعايش والازدهار.
وتظل باكستان تشكل التحدي المنفرد الأكبر الذي يواجه الهند. ولا شك أن سينغ يتمتع في هذا الصدد بالحدس الغريزي السليم. فهو يريد لباكستان النجاح كدولة معتدلة حديثة. وهو لا يريد المزيد من الحروب. غير أن هذا الحدس الغريزي من الممكن أن يتعزز بالسياسات الحكيمة طويلة الأمد.
وتستطيع الهند أن تستفيد من نجاح التجربة الصينية في التعامل مع مشكلة تايوان. ففي ذروة التوتر، وحين وجدت الصين أن التسامح مع حكومة لي تينغ هوي أمر غير ممكن، لم تكف الحكومة الصينية رغم ذلك عن متابعة سياستها في احتضان الشعب التايواني ورجال الأعمال التايوانيين. ومع الوقت أدت هذه السياسة الحكيمة إلى نشوء شبكة قوية من الترابط الاقتصادي، وهو ما أدى بدوره إلى تعزيز الاستقرار.
وسيكون من السهولة بنفس القدر أن يحتضن الشعب الهندي أخاه الباكستاني، فهما ينتميان إلى الأصل نفسه. ونظراً لانتمائي إلى العِرق السندي فأنا أشعر بامتداد نسبي إلى الشعبين. وحين أتواجد في أي تجمع دولي فأنا أندهش حقاً إزاء السهولة التي ينجذب بها كل من الهندي والباكستاني بشكل طبيعي نحو الآخر. إن الانقسامات السياسية مصطنعة وغير حقيقية، والوحدة الثقافية طبيعية وأصيلة.
إن أهل باكستان قادرون بسهولة على العمل مع الاعتدال السياسي الذي تتسم به حكومة سينغ. والحقيقة أن الروح المنفتحة التي يتحلى بها سينغ والرئيس الأميركي باراك أوباما في التعامل مع العالم الإسلامي ربما وفرت الفرصة الأمثل لإيجاد حلٍ سياسي دائم للمشكلة الهندية الباكستانية.
وباختصار فإن إعادة انتخاب حكومة سينغ أسهمت في جعل العالم مكاناً أقل خطورة وفتحت الباب أمام العديد من الفرص. والواقع أننا من الصعب أن نتخيل رئيس وزراء للهند أفضل من سينغ، فهو واحد من أفضل خبراء الاقتصاد في العالم. ولقد أثبت في الوقت نفسه أنه يتمتع بأعصاب من حديد حين رفض الخضوع للضغوط الشديدة الرامية إلى حمله على التنكر للاتفاقية النووية بين الهند والولايات المتحدة. لقد تمسك سينغ بموقفه ونال النصر. والفوائد المترتبة على تصميمه وصدق عزيمته لن تتمتع بها الهند فحسب، بل العالم أجمع.
*عميد كلية لي كوان يو للسياسة العامة بجامعة سنغافورة الوطنية.
|