حصار السبعين يوما..الذكرى الثانية والأربعون
الأربعاء, 10-فبراير-2010
الميثاق إنفو - صادف يوم (الاثنين) الثامن من فبراير، الذكرى الثانية والأربعون لفك الحصار عن العاصمة صنعاء، الذي استمر سبعين يوماً من قبل القوى الملكية والمرتزقة بانتصار قوات الجمهورية.


فقد شنّت تلك القوى خلال الخمس السنوات الماضية حربا ضارية في محاولة لإسقاط النظام الجمهوري وإعادة النظام الملكي، وتحوّلت البلاد خلال سنوات ما بعد الثورة إلى ساحة حرب مفتوحة مباشرة وغير مباشرة، فقد شكّلت ثورة 26 سبتمبر أول وأهم الحركات الثورية التحررية في المنطقة، ومنعطفاً جديداً في تاريخ المنطقة كلها، الأمر الذي جعل منها هدفاً للقوى الرجعية الاستعمارية، وفي الوقت ذاته حظيت بدعم ومساندة قوى التقدّم والتحرر العربية والدولية، كما تناقضت المواقف الإقليمية والدولية من الثورة بين مؤيد ومعادٍ.


كان اليمن على الصعيد السياسي والاجتماعي يعيش حالات تمزّق وتناقضات مركّبة، فالمجتمع منقسم بين معسكرين متصارعين جمهوريين وملكيين، وانعكست ظروف الحرب الاستثنائية التي عاشها البلد وما صاحبها من صعوبات وتعقيدات وأزمات في مختلف الجوانب والتآمرات ومحاولات الدس بين صفوف الوطنيين، انعكست سلباً على واقع الحركة الوطنية وبروز الكثير من الخلافات والانقسامات في صفوفها، بعضها ذات جذور سياسية أيديولوجية حزبية، وبعضها لها علاقة بالمواقف من الوجود والدور المصري وحدود تدخله المباشر في الشأن الوطني، وبعضها تتعلق بالمواقف من القوى الاجتماعية المناصرة للملكيين وكيفية التعامل والحوار معهم، وهذا الموقف يتعلق بهويّة وطبيعة الدولة التوافقية، وهناك خلافات أفرزتها التطلعات الذاتية للسيطرة على السلطة أو محاولة احتكارها.


تزامن الحصار على صنعاء، والذي بدأ في 28 نوفمبر 1967 مع مغادرة آخر جندي مصري ميناء الحديدة، ومغادرة آخر جندي بريطاني ميناء عدن، وأدى انسحاب الجيش المصري البالغ تعداده 70 ألف جندي مع جميع أسلحته ومعداته، إلى إحداث اختلال مريع في موازين القوى العسكرية على الساحة، لاسيما وأن الجيش الوطني من حيث تعداده وتجهيزه وتسليحه كان ضعيفاً إذا ما قورن بقوة العدو، وبفعل جُملة من العوامل السياسية والمادية والعسكرية كانت عملية بناء الجيش اليمني الحديث تسير بشكل بطيء إلى جانب أن هذا الجيش كان يتعرض لعملية استنزاف متواصلة في قدراته البشرية والمادية بفعل اتساع نطاق الحرب واستمرارها لأكثر من خمس سنوات، إلا أن الجيش اليمني تميز رغم قلة تعداده، بأنه ذات عقيدة ثورية ووطنية راسخة وإيمان مطلق بعدالة قضيته وثقته بالنصر.


في الوقت نفسه تم التمهيد لمعركة الحصار بحرب إعلامية ونفسية ودبلوماسية عنيفة وواسعة النطاق شاركت فيها مختلف وسائل الإعلام في الدول الاستعمارية الغربية والأميركية والرجعية ومرتزقتها وأجهزتها الاستخبارية العاملة في اليمن، وساهم في ذلك الإعلام المصري الذي ربط مصير الثورة وقُدرتها على الاستمرارية بوجود الجيش المصري في اليمن، وقلّل من قدرة الشعب اليمني على حماية الثورة، وكان لهذا الإعلام الحليف أثر سلبي قوي على نفسية الشعب والأطراف الحليفة للجمهورية، واستغلت وسائل الإعلام المعادية قضية انسحاب السفارات الأجنبية من صنعاء باستثناء "سفارات سورية والجزائر والصين" وكذلك الخبراء والفنيين الروس، وترك بعض قيادات القوات المسلّحة مهامهم في رئاسة الأركان العامة وقيادة الوحدات ومغادرتهم صنعاء إلى الخارج أو إلى بعض المحافظات، لتثبت للعالم أن جميع حلفاء الجمهورية الوليدة قد تخلوا عنها، وكان لهذه الحرب الإعلامية النفسية التي استهدفت هزيمة القوى الجمهورية وحلفائها نفسياً ومعنوياً كشرط ضروري لهزيمتهم عسكرياً، أثرها في أوساط المواطنين والقوى الاجتماعية الحليفة للثورة، وتسببت في إحداث إرباكات في أوساط المواطنين والقيادة العسكرية والسياسية.


وقد استغل فلول الملكيين والقوى المعادية للثورة كل تلك الظروف، فراهنت على إسقاط العاصمة واحتلالها خلال أيام، فحشدت ما يزيد عن 58 ألف مقاتل، وطوّقت مدينة صنعاء من مختلف الجهات، واعتمدت هذه القوات على الخطة التي أطلق عليها تسمية "الجنادل" ووضعها الجنرال كواندا الأميركي الأصل الذي عمل مسؤولاً للمخابرات الأميركية في الجزيرة العربية، ومساعده المرتزق الدولي، بوب دينار، ومرتزقة آخرون من ألمانيا، وبريطانيا، وفرنسا، وإيران وبعض الدول العربية، وحددت أهداف الخطة سلفاً وبالذات بعد نكسة 5 حزيران/ يونيو 67م التي حتمت انسحاب القوات المصرية من اليمن، وتعززت هذه القناعة بعد اتفاقية الخرطوم والتنكّر لأهم شروط هذه الاتفاقية القاضي بوقف دعم القوات الملكية مقابل انسحاب الجيش المصري، والمضي قُدماً في طريق الحسم العسكري، وكان من أبرز هذه الأهداف: إسقاط النظام الجمهوري واقتلاعه إلى الأبد وإعادة نظام الإمامة الملكي، وإجهاض استقلال جنوب الوطن، وكذا القضاء على قوى التغيير والتحديث الثورية كفكر وقوة اجتماعية.


وقد وضعت هذه الخطة وفق اعتبارات وحسابات سياسية وعسكرية داخلية وخارجية لا يشك واضعوها في دقتها وصحتها، خاصة من ناحية حجم القوات المعادية وعدتها وتعدادها ونوعية تسليحها، يقابله قلّة عدد القوات الجمهورية وتخلّف تسليحها وانقسام اجتماعي حاد في صفوف القبائل بين ملكيين وجمهوريين، وكان من أبرز أهم العوامل: الرهان على انشقاق الصف الجمهوري بعد حركة 5 نوفمبر بين أنصار السلال والقبائل الموالية له، وبين أنصار الحركة والقبائل الموالية لها، وكذا الوضع الاقتصادي والمالي الحرج للجمهورية وعجزها عن تمويل متطلبات الحرب، بالإضافة إلى الرهان على استحالة تقديم الدعم والمساندة من قبل الدول العربية المتحررة وبالذات مصر بفعل ما اعتقدوه من خلافات بين عبد الناصر حليف السلال، والقيادات اليمنية الحالية التي كان غالبيتها في السجن الحربي بمصر، إلى جانب استحالة تقديم مساعدة من جنوب الوطن منذ اليوم الأول للاستقلال وانشغاله بانقساماته الداخلية بين الجبهة القومية وجبهة التحرير.


بدأت العمليات العسكرية لحصار السبعين بتقدّم طليعة ضاربة من القوات المهاجمة بأسرع ما يمكن باتجاه العاصمة صنعاء للسيطرة على المواقع الإستراتيجية المهمّة حول العاصمة، وفي الوقت نفسه تجاوز العديد من المعسكرات والمواقع التي كانت ترابط فيها قوات الجيش الجمهوري وبالذات الوحدات الموجودة في حجة، ولواء الثورة في "ثلاء وكوكبان"، ووحدات المظلات المرابطة في الحيمتين وبني مطر، وقد أراد الخصم من خلال هذه الإستراتيجية الهجومية تحقيق جملة من الأهداف أهمها استغلال الوقت للوصول إلى أكثر النقاط قرباً من العاصمة والسيطرة على المواقع الإستراتيجية التي تمكّنه من قطع طرق الإمدادات للعاصمة وجعلها ضمن دائرة نيران مدفعيتها وقصفها لإضعاف الروح المعنوية للمواطنين وتهيئة الوضع الداخلي لنشاط طابوره الخامس من وسط السكان، والهدف الآخر تمثل في عزل القوات المرابطة خارج العاصمة ومحاصرتها بهدف شل فاعليتها وتدميرها أو إجبارها على الاستسلام لما لذلك من أهمية سياسية وعسكرية ودعائية للقوات الملكية.


فيما كانت الاستراتيجية الدفاعية للنظام الجمهوري تمثلت مرحلتها الأولى في الحفاظ على العاصمة وتأمينها بطوق دفاعي قوي ومرن، وامتصاص الضربات الهجومية، والحيلولة في الوقت ذاته دون حدوث أي اختراقات، (فدخول القوات الملكية إلى العاصمة يعني سقوط شرعية النظام الجمهوري) والحرص في هذه المرحلة على إنزال أكبر قدر من الخسائر في صفوف العدو، والمرحلة الثانية اعتمدت أسلوب حرب العصابات والإغارات الموجهة إلى الحلقات الرئيسية والحلقات الأضعف للقوات المعادية وتدمير مواقعها وأسلحتها ذات الخطر النسبي، وبالذات تلك التي تقصف المدينة، وهذه المرحلة تتضمن العمل خلف خطوط القوة المهاجمة باستخدام الجيش الشعبي والقوات المرابطة خارج العاصمة في المحافظات الأخرى، بهدف تخفيف الضغط على العاصمة واستنزاف الخصم وإرباكه وفرض حصار عليه، فيما كانت المرحلة الثالثة هي الانتقال إلى الهجوم المضاد وفتح الطرق عبر هجوم كاسح منظم ومتكامل بين القوات المتواجدة خارج العاصمة، والقوات المدافعة داخلها والقوات الجوية.


ومع بدء قصف الملكيين للعاصمة، شهدت المدينة ميلاد المقاومة الشعبية، والتي تكونت من ممثلي مختلف فئات المجتمع وشرائحه، وافتتحت مراكز تنظيم فرق المقاومة، ورأس نشاطها قيادة جماعية اقتصرت على الشخصيات المدنية، وتم توزيع الأسلحة على مقاتلي المقاومة، وشارك ضباط من الجيش في تدريب وإعداد رجال المقاومة، وقسمت المدينة إلى ست مقاطعات دفاعية، وقد انبثق عن المقاومة لجان خاصة للدعاية والإعلام وأخرى للتموين، وأصدرت قيادتها صحيفة "المقاومة الشعبية"، التي حملت شعار "الجمهورية أو الموت"، وكان للمقاومة فروع في مختلف المُدن اليمنية، كما صدر قرار القائد العام للقوات المسلحة بتشكيل قيادة عسكرية للمقاومة الشعبية إلى جانب القيادة المدنية في مواجهة الحصار المفروض على صنعاء وحماية الجبهة الداخلية.


وفي 23 يناير صدور العدد الأول من النشرة الإخبارية "السياسية" اليومية عن وكالة سبأ للأنباء، التي توزّع على كبار المسؤولين في الدولة والحكومة، وذلك كبديل مؤقت لصحيفة "الثورة"، التي احتجبت عن الصدور جراء الحصار، وكان للطيران المدني دوره الكبير أيضاً، إذ قام بنقل الذخيرة والمواد الأساسية من الحديدة إلى صنعاء بصورة مستمرة رغم المخاطر التي كان يتعرض لها من نيران الملكيين، وهو ما جعل الطائرات تهبط -في بعض الحالات- في شوارع صنعاء، كما كثّف الطيران الحربي خاصة بعد وصول عدد من الطيارين العسكريين اليمنيين الذين تخرّجوا من الاتحاد السوفييتي، كثف هجومه على تجمّعات وإمدادات وخلفيات قوات الملكيين على كل الجبهات.


وكان للموقف من جانب الأشقاء في سورية ومصر والجزائر، في تقديم الدعم العسكري والمعنوي، دوره في نصرة المدافعين عن صنعاء المحاصرة، كما كان للمساعدة التي قدمها الاتحاد السوفييتي والتي تمثلت بالعتاد الحربي والطائرات المقاتلة وطائرات النقل إثرها في دعم القوات اليمنية لهزيمة القوات المعادية، كما كان لدعم جمهورية الصين الشعبية دوره في مساعدة القوات المدافعة عن العاصمة ودحر القوات المعادية.


وفي واحدة من أعظم معارك الوطن في التاريخ المعاصر من حيث أهميتها ونتائجها وأبعادها الوطنية سياسيا وعسكريا، وكانت زاخرة بأحداث كبيرة وتضحيات جسيمة ومآثر بطولية يستحيل على الزمن تجاهلها أو طيّ صفحاتها، فشلت كافة محاولات الأعداء المتواصلة ليلاً ونهاراً في اقتحام المدينة الباسلة، وتكبدوا خسائر جسيمة، وأدركوا استحالة قهر إرادة الثورة وإرادة التغيير، وتقهقروا مهزومين، وبالتالي تبددت نهائياً أحلامهم في استعادة السلطة والعودة بعجلة التاريخ إلى الخلف، خاصة وقد هبّ أبناء اليمن من مختلف المحافظات في ذروة المعركة للمشاركة في فك الحصار عنها، يؤازرهم إخوانهم المتطوعون من أبناء الشطر الجنوبي من الوطن، وفي 8 فبراير 1968م تحقق النصر المبين بافتتاح طريق صنعاء – الحديدة، وفك الحصار نهائياً عن المدينة، وحسمت هذه الملحمة الوطنية بشكل نهائي حرباً ظلت مستعرة أكثر من خمس سنوات، وكانت إيذاناً بتحول نوعي جذري في مجرى الصراع المرير بين قوى الثورة والقوى المضادة لها، قوى التقدّم والحضارة، وقوى التخلف والظلام.



المراجع
ـ ورقة قدّمها فخامة الرئيس علي عبدالله صالح رئيس الجمهورية إلى ندوة توثيق تاريخ الثورة اليمنية الجزء السادس "ملحمة السبعين الوقائع.. الدروس .. العبر" حول شهادته عن ملحمة السبعين يوما.
ـ اليمن في مائة عام، مركز البحوث والمعلومات بوكالة الأنباء اليمنية (سبأ)، الطبعة الثانية، مايو 2003



نقلاً عن

(السياسية) - تقرير: عبد الملك الثور - مركز البحوث والمعلومات