هزيمة تنظيم «القاعدة» وتحييد شبكة دعمه
الثلاثاء, 30-يونيو-2009
علي صوفان - في منتصف حزيران/يونيو الحالي، قتل سياح [أجانب] - كانوا ضمن مجموعة تزور المناطق القبلية في اليمن - بصورة وحشية على يد إرهابيين مرتبطين على الأرجح بتنظيم «القاعدة». ويؤكد هذا الحدث المأساوي التحدي الصعب بوجه خاص الذي يواجه الولايات المتحدة وحلفائها: ففي حين يتم تقويض أنشطة تنظيم «القاعدة» في جزء معين من العالم، تتكيف المنظمة وتنقل عملياتها إلى مناطق أخرى. وتشكل اليمن والصومال -- حيث حركة «الشباب» ذات العلاقة بتنظيم «القاعدة» هي الآن قوة رئيسية -- آخر الأمثلة على هذه الظاهرة. ومن أجل منع طلاقة حركة تنظيم «القاعدة»، يجب أن تتكيف استراتيجية الولايات المتحدة لمكافحة الإرهاب مع تغيير طريقة العمل ومسارح المعركة التي تنتهجها هذه المنظمة الإرهابية. كما تحتاج الولايات المتحدة إلى تحسين قدرتها على مواجهة التهديدات غير التقليدية، التي تتطلب أكثر من مجرد رد فعل عسكري. وتشكل المخابرات الأمر الحاسم لهزيمة عدو مثل تنظيم «القاعدة» الذي يعمل في الظل. ولذلك فإن من الأهمية بمكان أن تستخدم واشنطن أفضل وأنجع الوسائل لجمع المعلومات الاستخباراتية، وأن تقوم الوكالات الأمريكية الرئيسية لمكافحة الإرهاب بالعمل معاً بسلاسة. 

تطور تنظيم «القاعدة»
قبل اعتداءات 11 أيلول/سبتمبر، شن تنظيم «القاعدة» سلسلة من الهجمات استهدفت تنفيذ رسالة أسامة بن لادن من عام 1996 حول "إعلان الحرب" على الولايات المتحدة. وعلى الرغم من بدء الهجمات بتفجير السفارتين في شرق أفريقيا في عام 1998، لم تُكشف نوايا أسامة بن لادن الحقيقية إلى أن قام بضرب أراضي الولايات المتحدة في مجزرة 11 أيلول/سبتمبر. ففي ذلك الوقت، تصرفت شبكة تنظيم «القاعدة» الإرهابية - ومن عدة نواح - كأي دولة أخرى؛ فقد كان لها هيكل للقيادة والسيطرة على درجة عالية من المركزية وملاذاً أرضياً محدداًً. 

بعد أن أدركت الولايات المتحدة بأن مجموعة من الأفراد قامت بتنفيذ أعمال عنف على نطاق، ومستوى من التطور، لم يكن بالإمكان تحقيقه من قَبل إلا من قِبل دول منظمة، استجابت واشنطن بشكل حاسم وفعال، بحيث [نجحت] في تفكيك ما كان ينظر إليه كـ "مركز ثقل" تنظيم «القاعدة». ولكن سرعان ما تكيفت هذه الشبكة الإرهابية. فقد أتاحت الأحداث التي أعقبت سقوط حكومة طالبان في أفغانستان عام 2001، فرصة لمجموعة بن لادن لإعادة تكوين نفسها وتطوير [قدرتها] بصورة أكثر فتكاً. وقد قدم الغزو الأمريكي للعراق في عام 2003، منصة نشاط [إرهابي] لأسامة بن لادن من أجل تعزيز مبرراته لشن حرب ضد الولايات المتحدة، وتحدى المسلمين لمحاربة ما وصفه بالغزو الصليبي لأراضي المسلمين.
وقد استغل تنظيم «القاعدة» أيضاً الخوف الواسع النطاق بأن العراق الذي يسيطر عليه الشيعة [سيساعد على تسهيل] مد النفوذ الإيراني، وفي المقام الأول إلى المناطق السنية في دول الخليج العربية والأردن ولبنان وسوريا وبقية العالم الاسلامي. ومقابل ذلك، أصبح دعم التمرد في العراق -- كوسيلة لاستهداف القوات الغربية الغازية والتصدي لتنامي قوة ونفوذ الشيعة في إيران والآن في العراق – بالنسبة لكثير من السنة، [عملاً] مشروعاً مشابهاً لدعم المجاهدين الأفغان ضد السوفييت قبل عشرين عاماً.
وعندما بدأت حملة تنظيم «القاعدة» تضعف في العراق -- بعد أن ساعدت استراتيجية الجنرال ديفيد بتريوس المتعلقة بتطبيق تكتيكات حربية سياسية، على شمل [أبناء الطائفة] السنية في المستقبل السياسي والأمني في العراق والتخفيف من مخاوفهم – استقطعت المنظمة الإرهابية وبصورة بطيئة ملاذاً آمناً في المناطق القبلية من باكستان وأفغانستان.
وباختصار، فبدلاً من [الإعتماد على] القيادة والسيطرة المركزية التي كانت العلامة التجارية لتنظيم «القاعدة» قبل [حوادث] 11 أيلول/سبتمبر، تحول التنظيم بحيث أصبح يركز بصورة أكثر، من كونه "القائد الرئيسي للعمليات" إلى أخذه دور "المحرك الرئيسي" لها. وقد تحول تركيز الشبكة الإرهابية إلى مناورة صراعات اقليمية ومحلية وقبلية وطائفية لتعزيز مصالحها. كما أنها أعطت "امتيازات" لاسم تنظيم «القاعدة» وشجعت جماعات إرهابية أخرى في أماكن مثل شمال افريقيا وجنوب شرق آسيا والشرق الأوسط، فضلاً عن تلك التي ظهرت في وقت لاحق، في أماكن مثل العراق، لتعمل وفقاً لراية تنظيم «القاعدة». 

الملاجئ الجديدة
في الوقت الذي ينصب فيه تركيز الولايات المتحدة على العراق وأفغانستان وباكستان، تستمر جهود تنظيم «القاعدة» الرامية لتوسيع وتحويل مسرح عملياته، مع التركيز بشكل خاص على اليمن والصومال.
إن الحكومة المركزية اليمنية الضعيفة والقبائل الإقليمية القوية، التي تعمل في نواح عديدة بمثابة حكومات مصغرة تتمتع بالحكم الذاتي، تجعل اليمن مكاناً سهلاً لقيام تنظيم «القاعدة» بعملياته. وتتعاطف بعض القبائل مع أهداف تنظيم «القاعدة»، في حين مستعد البعض الآخر لمد يد العون إلى الجماعة لأسباب تتراوح بين مكافأة مالية والمساعدة في المعارك ضد قبائل متناحرة.
وفي الصومال، حيث يركز العالم على القرصنة، يتمتع الجهاديون الراديكاليون في الوقت الحاضر بواحدة من أكبر المناطق القابلة [للإستغلال الإرهابي] منذ سقوط نظام طالبان في أفغانستان. [وقد نجح] تنظيم «القاعدة» في التأثير على مجموعة تعرف باسم «الشباب»، تهدف إلى خلق دولة إسلامية في الصومال على نمط حركة طالبان؛ وقد سيطرت المجموعة على بلدات مهمة [في تلك البلاد] منذ انسحاب القوات الاثيوبية من الصومال في وقت سابق من هذا العام، وهي الآن تقاتل القوات الحكومية في العاصمة مقديشو. 

القضاء على نظام دعم شبكة تنظيم «القاعدة»
ولمواجهة التهديدات غير التقليدية، لا يمكن أن تقتصر استراتيجية الولايات المتحدة على الخيار العسكري [فحسب]، بل يجب عليها استخدام كل الوسائل المتاحة، بما في ذلك الدبلوماسية، والاستخباراتية، والقوة العسكرية، والعمليات السرية الخاصة، وإنفاذ القوانين، والبرامج الثقافية والنفسية، والمساعدة الاقتصادية. ولا تستطيع منظمة غير متناسقة أن تبقى قائمة دون [وجود] نظام دعم قوي. إن عدد واضعي القنابل الفعليين والانتحاريين هو قليل، ومع ذلك، هم يعتمدون على عصابة من المؤيدين للحصول على المال، واللوازم، والبيوت الآمنة، ووثائق السفر، والنقل، وغيرها من الخدمات. [لذلك]، ينبغي أن تهدف استراتيجية الولايات المتحدة على التقليل من حجم هذا الطوق الخارجي بوصفه أنجع الطرق لمكافحة أخطر الأفراد في مركز [هذه الحلقة]. وكلما كان الطوق ذو حجم أصغر، كلما زاد ذلك من نجاح الولايات المتحدة.
ولسوء الحظ، قد يؤدي [اتباع] استراتيجية خاطئة إلى زيادة حجم هذا الطوق الخارجي، مما يؤدي إلى قيام تعاطف ودعم إضافيين، وبالتالي إلى مزيد من المجندين الإرهابيين. وتؤدي الصور من سجن أبو غريب ومزاعم التعذيب وأساليب الاستجواب القاسية، على سبيل المثال، إلى نتائج عكسية عند محاولة كسب القلوب والعقول. وتنتج مثل هذه الأساليب، حالة لا يمكن الفوز فيها: فقد أدت إلى إضعاف مكانة الولايات المتحدة الأخلاقية وقوضت الرسالة الايجابية التي كانت تحاول نشرها. وبالإضافة إلى ذلك، فإن استخدام أساليب تحقيق مشددة ضد شخص تم تدريبه على توقع [تعرضه لعمليات] تعذيب ومقاومة [إجراءات] استجواب، يأتي بنتائج عكسية لهدف الحصول على معلومات دقيقة وموثوقة. إنه سيناريو معد [سلفاً] بالفشل. 

إغلاق معتقل غوانتانامو
إن وعد إدارة أوباما بإغلاق المعتقل في خليج غوانتانامو بكوبا، يتيح أخيراً للولايات المتحدة فرصة للتعامل مع المعتقلين المحتجزين فيه، ويعطي العالم درساً هاماً في العدالة الأمريكية.
لدى الولايات المتحدة ما يكفي من الأدلة لمحاكمة وإدانة بعض المحتجزين من بين ما يقدر بحوالي 250 سجيناً في معتقل غوانتانامو. وإحدى الأمثلة على أولئك المحجزين هو اليمني "عبد الرحيم الناشري"، الذي يعرف أيضاً باسم "الملا بلال"؛ وقد كان واحداً من كبار القادة الميدانيين في تنظيم «القاعدة»، وترأس عمليات في شبه الجزيرة العربية. وبإمكان محاكمة وإدانة "الناشري"، دون استخدام أي من المعلومات التي تم الحصول عليها خلال استعمال الأساليب القاسية.
وبإمكان [أيضاً] محاكمة بعض المحتجزين في المحاكم العسكرية؛ وبالنسبة للبعض الآخر، توجد أدلة كافية لمحاكمتهم في محاكم أمريكية عادية. فعلى سبيل المثال، يوجد دليل دامغ ضد "أحمد خلفان غيلاني"، وهو تنزاني، لإدانته في الإشتراك بتفجير السفارتين في شرق أفريقيا عام 1998.
وتشمل آخر مجموعة من المعتقلين أولئك الذين لا توجد أدلة لإدانتهم، إما لأنهم أقل مرتبة ومجرد في بداية أعمالهم الإرهابية الوظيفية، أو ببساطة لأنهم لا ينبغي أن يكونون هناك في المقام الأول. وفي نهاية المطاف، لا بد من الإفراج عن هؤلاء السجناء بحيث يُنقلون [إلى دول تتوفر فيها] برامج مأمونة لإعادة التأهيل. يجب على الولايات المتحدة أن ترسل المعتقلين إلى بلدانهم الأصلية، تلك التي نثق بها. وبخلاف ذلك، يمكن إرسال المعتقلين إلى دول حليفة تتوفر فيها برامج قوية لإعادة التأهيل.
 
تقسيم العمل بين وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفدرالي
من أجل حشد جميع عناصر القوة الوطنية [لمكافحة] تهديد الإرهاب، تحتاج الولايات المتحدة إلى إصلاح [نظام] تقسيم العمل بين أجهزة استخباراتها [المختلفة] ووكالات تطبيق القانون لكي تقوم كل منها بعمل الواجب التي تختص به على أفضل وجه. ففي حين تشمل خبرة مكتب التحقيقات الفدرالي جمع وتعقب الأدلة، وكشف الأعمال الإجرامية، واستجواب المشتبه بهم، وتقديم القضايا للمحاكمة، تتمثل الخبرة الرئيسية لوكالة المخابرات المركزية في جمع المعلومات الاستخبارية. ويقوم مكتب التحقيقات الفدرالي بعمله، بعلمه أن جميع الأدلة التي يجمعها قد تحتاج - في مرحلة معينة – إلى إثبات في المحكمة، في حين تعمل وكالة المخابرات المركزية، بحكم الضرورة، بسرية. ولذلك، إذا كانت وكالة االمخابرات المركزية هي الجهة المسؤولة عن الاستجوابات والتحقيقات المتعلقة بمكافحة الإرهاب، فعندئذ يتم التضحية بالسرية أو بالعدالة – وليست هناك رغبة في [خسارة] أي منها. وعلى هذا النحو، ينبغي أن يكون مكتب التحقيقات الفدرالي الوكالة الرائدة في جمع الأدلة واستجواب الإرهابيين، وإعداد قضية لمحاكمات محتملة، في حين ينبغي على وكالة المخابرات المركزية أن تركز على ما تقوم به على أفضل وجه، وهو جمع المعلومات الاستخبارية. 

* علي صوفان، كان في الفترة بين 1997 و 2005، موظف خاص في مكتب التحقيقات الفدرالي بدرجة مشرف؛ كما كان واحداً من أبرز المحققين والمستجوبين في القضايا الكبرى المتعلقة بالإرهاب الدولي، بما فيها تفجير سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا عام 1998 والهجوم على المدمرة الامريكية "كول" في اليمن عام 2000.